عاشوراء . . عيد أم مأتم ؟!


 

بقلم السيد جعفر مرتضى العاملي

بحث علمي موثق يتصدى بعض الشبهات التي طرحها أعداء أهل البيت ( عليهم السلام ) حول قضية عاشوراء ، و هذا البحث هو الفصل الثالث من كتاب " عاشوراء بين الصلح الحسني و الكيد السفياني " بقلم العلامة المحقق السيد جعفر مرتضى العاملي .
عاشوراء . . عيد أم مأتم ؟!

1. عاشوراء . . عيد الشامتين بأهل البيت عليهم السلام :
إذا أردنا أن نسلّم بما يقال ، من أنّ عمل السلف حجة ، و إن لم يكن المعصوم داخلا فيهم .
و إذا فرضنا صحة قولهم : إن عصر الصحابة و التابعين هو العصر الذي تنعقد فيه الإجماعات ، و تصير حجة ، و تشريعاً متّبعاً . .
و إذا كان الإجماع معصوماً و نبوّة بعد نبوّة ، حسبما يدّعون . . .
و إذا كان يحلّ لمسلم أن يدّعي وجود نبوّة بعد نبوّة خاتم النبيّين ، خلافاً لنص القرآن الكريم : ? مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ...?
و إذا كان يجوز عند هؤلاء اطّراح القرآن ، و كل ما قاله النبي الأعظم صلى الله عليه و آله لمجرد أنه انعقد الإجماع بعد عصر النبي على خلافهما ، مع التصريح بأن الأمة معصومة . . .
إذا جاز كل ذلك . . جاز أن يقال لهؤلاء : لقد سُبَّ أمير المؤمنين عليه السّلام على ألوف المنابر في جميع أقطار العالم الإسلامي ، من قبل وعّاظ السلاطين ، طيلة عشرات السنين . و شارك في ذلك العديد بل العشرات من الصحابة . .
فهل يجوِّز هؤلاء العودة إلى سبِّه ، و هل يعتبرون ذلك شريعة مرضية لله و لرسوله ؟!
كما أن بني أميّة و كلّ أتباعهم ، و من كان تحت سيطرتهم ، و كذلك بنو أيّوب ، و لمدة عشرات السنين ، قد اتخذوا يوم عاشوراء عيداً ، و أوّل من فعل ذلك الحجّاج ، برضا و بمرأى و مسمع من الخليفة عبد الملك بن مروان ، و بمرأى ومسمع من بقايا الصحابة ، و جميع التابعين .
و لم نجد اعتراضاً من أحدٍ منهم ، و لا من أيّ من علماء الأمة ، و صلحائها ـ باستثناء أهل البيت عليهم السلام الذين كانوا يعملون بمبدأ التقية آنئذٍ ـ لا في تلك الفترة في عهد الأمويين ، و لا في زمان بني أيوب و بعده .
ثم إنهم يؤكدون لزوم السرور في هذا اليوم بما يروونه من حوادث عظيمة ، اتفق وقوعها فيه ، من قبيل : توبة الله فيه على آدم ، و استواء السفينة على الجودي ، و إنجاء النبي إبراهيم عليه السلام من النار ، و فداء الذبيح بالكبش ، و نحو ذلك . . .
و يا ليتهم اكتفوا بذلك ، بل لقد تعدّو ذلك إلى الإفتاء بحرمة لعن يزيد لعنه الله ، و عدم جواز تكفيره ، و قالوا : إنّه من جملة المؤمنين .
بل لقد قال ابن الصلاح : " و أما سب يزيد و لعنه ، فليس ذلك من شأن المؤمنين ، و إن صح أنه قتله أو أمر بقتله " . . زاعمين أنه يجوز لعن قتلة الأنبياء ، و من علم موته على الكفر . .
و تقدمت بعض محاولاتهم في الدفاع عنه . .
كما أن الجمهور قد خالفوا في جواز لعنه بالتعيين .
و قال عبد الغني سرور المقدسي : " إنما يمنع من التعرض للوقوع فيه ، خوفاً من التسلق إلى أبيه ، و شكَّاً لباب الفتنة .
بل قال : الشبراوي الشافعي ، عن الغزالي ، و ابن العربي : " فإنّ كلاهما قد بالغ في تحريم سبّه و لعنه ، لكن كلاهما مردود " . . .

2. تحريم رواية المقتل :
ثم زادوا في الطنبور نغمة ، فقالوا : " يحرم على الواعظ و غيره رواية مقتل الحسين ، و حكاياته " . .
قال ذلك الغزالي و غيره .
و ليس ذلك ببعيد على من لا يرى بأساً بالسكوت حتى عن لعن إبليس ، كما عن ابن أبي شريف ، بل قال الرملي : " ينبغي لنا أن لا نلعنه " .
و قال الغزالي : " بل و لو لم يعلن إبليس طول عمره ، مع جواز اللعن عليه ، لا يقال له يوم القيامة : لم لا تلعن إبليس " .
و قال : " و أما الترحم عليه ( أي على يزيد ) فجائز ، بل مستحب ، و هو داخل في قولنا : اللهم اغفر للمؤمنين و المؤمنات ، فإنه كان مؤمناً " .

3. تحريم التحزن و التفجع في عاشوراء :
أما تحريم التحزّن و التفجع في يوم عاشوراء . . فلعله أهون تلكم الشرور ، بعد أن كانوا و ما زالوا يهاجمون مجالس عزاء الإمام الحسين عليه السلام ، و يقتلون من يقدرون عليه من المشاركين فيها ، بل و يحرقون المساجد ، و يفعلون الأفاعيل في سبيل ذلك . . .
و تلك هي تطبيقات ذلك في الباكستان ، و في غيرها من البلاد ، ماثلة للعيان ، يراها و يسمع الناس بها في كل عام . .

4. المزيد من الشواهد !! :
و من أجل التأكيد على حقيقة اعتبارهم عاشوراء عيداً ، التي ألمحنا إليها فيما سبق ، نزيد في توضيح ذلك من خلال إيراد النصوص التالية :
قال زكريا القزويني : " زعم بنو أمية أنهم اتخذوه عيداً ، فتزيّنوا فيه ، و أقاموا الضيافات .
و الشيعة اتخذوه يوم عزاء ، ينوحون فيه ، و يجتنبون الزينة .
و أهل السنّة يزعمون : " أن الاكتحال في هذا اليوم مانع من الرمد في تلك السنة " .
" و من اغتسل فيه لم يمرض ذلك العام ، و من وسّع على عياله وسّع الله عليه سائر سنته " .
و قال عن شهر صفر : " اليوم الأول منه عيد بني أمية ، أدخلت فيه رأس الحسين رضي الله عنه بدمشق " .
و قال البيروني ، بعد ذكر ما جرى على الإمام الحسين عليه السلام يوم عاشوراء :
" فأمّا بنو أمية ، فقد لبسوا فيه ما تجدّد ، و تزيّنوا ، و اكتحلوا ، و عيّدوا ، و أقاموا الولائم و الضيافات ، و أطعموا الحلاوات و الطيّبات ، و جرى الرسم في العامّة على ذلك أيّام ملكهم ، و بقي فيهم بعد زواله عنهم .
و أمّا الشيعة ، فإنّهم ينوحون و يبكون ، أسفا لقتل سيد الشهداء فيه " .
و يقول المقريزي : " . . فلمّا زالت الدولة اتخذ الملوك من بني أيّوب يوم عاشوراء يوم سرور ، يوسّعون فيه على عيالهم ، و ينبسطون في المطاعم ، و يتّخذون الأواني الجديدة ، و يكتحلون ، و يدخلون الحمام ، جرياً على عادة أهل الشام ، التي سنها الحجّاج في أيّام عبد الملك بن مروان ، ليرغموا به آناف شيعة علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه ، الذين يتخذون يوم عاشوراء يوم عزاء و حزن على الحسين بن علي ، لأنه قتل فيه . . ".
و قال : " و قد أدركنا بقايا مما عمله بنو أيّوب ، من اتخاذ عاشوراء يوم سرور و تبسط " .
أمّا ابن حجر الهيثمى و الزرندي ، فقد أشارا إلى هذا الأمر في معرض نهيهما عن الندب ، و النياحة ، و الحزن يوم عاشوراء ، الذي هو من بدع الرافضة بزعمهما ، ثم أشار إلى ما يقابل ذلك ، فنهيا عن العمل ببدع الناصبة ، " المتعصبين على أهل البيت " ، أو الجهّال ، المقابلين الفاسد بالفاسد ، و البدعة بالبدعة ، و الشر بالشر ، من إظهار غاية الفرح ، و اتخاذه عيداً ، و إظهار الزينة فيه ، كالخضاب ، و الاكتحال ، و لبس جديد الثياب ، و توسيع النفقات ، و طبخ الأطعمة و الحبوب الخارجة عن العادات ، و اعتقادهم : أن ذلك من السنة و المعتاد . . " .
هذا . . و قد ورد في زيارة عاشوراء المروية عن الإمام الباقر عليه السلام قوله : " اللهم ، إن هذا يوم تبرّكت به بنو أمية ، و ابن آكلة الأكباد " .
و حتى ابن تيمية ، و هو المتعصب المتحامل على أهل البيت عليهم السلام و شيعتهم ، لم يستطع أن يظهر الرضا بهذا الأمر ، فهو يقول :
" . . و إظهار الفرح و السرور يوم عاشوراء ، و توسيع النفقات فيه هو من البدع المحدثة ، المقابلة للرافضة " .

5. التزلّف الوقح :
و أضاف ابن تيمية إلى عبارته الآنفة الذكر قوله :
" . . و قد وضعت في ذلك أحاديث مكذوبة في فضائل ما يصنع فيه ، من الاغتسال والاكتحال الخ . . " .
و قال : " . . و أحدث فيه بعض الناس أشياء ، مستندة إلى أحاديث موضوعة ، لا أصل لها ، مثل فضل الاغتسال فيه ، أو التكحل ، أو المصافحة .
و هذه الأشياء و نحوها من الأمور المبتدعة ، كلها مكروهة ، و إنما المستحب صومه .
و قد روي في التوسع على العيال آثار معروفة ، أعلى ما فيها حديث إبراهيم بن محمد بن المنتشر ، عن أبيه ، قال : " بلغنا ، أنه من وسّع على أهله يوم عاشوراء ، وسّع الله عليه سائر سنته " . رواه ابن عيينة .
و هذا بلاغ منقطع ، لا يعرف قائله .
و الأشبه أن هذا وضع لما ظهرت العصبية بين الناصبة و الرافضة ، فإن هؤلاء عدّوا يوم عاشوراء مأتماً ، فوضع أولئك فيه آثاراً ، تقتضي التوسّع فيه ، واتخاذه عيداً " .
و نقول : قد عرفت أن صومه مكذوب أيضاً .
بل لقد بلغ بهم الأمر : أن رووا عن ابن عباس في تفسير آية : ? ... مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ ...? . .
أنه قال : " يوم الزينة يوم عاشوراء " .
و عن ابن عمر ، عنه صلى الله عليه و آله : " من صام يوم الزينة أدرك ما فاته من صيام تلك السنة ، و من تصدّق يومئذ بصدقة ، أدرك ما فاته من صدقة تلك السنة " يعني يوم عاشوراء .
بل تقدم أن أهل السنّة يزعمون : " أن الاكتحال في هذا اليوم مانع من الرمد في تلك السنة " . .
أما ابن الحاج . . فذكر عن يوم عاشوراء : " أنه يستحب التوسعة فيه على الأهل و الأقارب ، اليتامى ، و المساكين ، و زيادة النفقة و الصدقة مندوب إليها ، بحيث لا يجهل ذلك " .
و بعد أن ذكر أشياء تفعل في هذا اليوم لم تعرف عن السلف ، كذبح الدجاج و طبخ الحبوب ، و زيارة القبور ، و دخول النساء الجامع العتيق بمصر ، و هن في حال الزينة الحسنة ، و التحلي ، و التبرج للرجال ، و كشف بعض أبدانهن ، و يقمن فيه من أول النهار إلى الزوال ، بعد أن ذكر ذلك ، قال :
" و من البدع أيضاً محرهن فيه الكتان ، و تسريحه ، و غزله ، و تبييضه في ذلك اليوم بعينه ، و يشلنه ليخطن به الكفن . و يزعمن أن منكراً و نكيراً لا يأتيان من كفنها مخيط بذلك الغزل " . .
إلى أن قال :
" و مما أحدثوه فيه من البدع : البخور ، فمن لم يشتره منهم في ذلك اليوم ، و يتبخّر به ، فكأنه ارتكب أمراً عظيماً ، و كونه سنّة عندهن ، لا بُدَّ من فعلها ، و ادخارهن له طول السنة ، يتبركن به ، و يتبخرن إلى أن يأتي مثله يوم عاشوراء الثاني .
و يزعمون أنه إذا بخر به المسجون خرج من سجنه ، و أنه يبرئ من العين ، و النظرة ، و المصاب و الموعوك الخ . . " .
نعم ، هذه هي أقاويلهم و تلك هي أفاعيلهم في يوم مصاب الرسول صلى الله عليه و آله بولده الإمام الحسين عليه السلام ، فاضحك من ذلك ، أو فابك ، فإنك حقيق بهذا أو بذاك ، بل بهما معاً . .
فإلى الله المشتكى ، من أمة قتلت ابن بنت نبيها ، ثم لم يزل يسعى هؤلاء المتحذلقون ، ليس فقط إلى تبرئة قاتله ، بل هم قد لا يرضيهم إلا أن يرفعوه إلى درجات القديسين ، و إعطائه مقامات الأنبياء و المرسلين ، لو وجدوا إلى ذلك سبيلاً . .
و لكن يأبى الله إلا أن يتم نوره ، و ينصر دينه ، و يعز أولياءه . . إنه قوي عزيز . .

6. كلمة أخيرة :
و بعد . .
فإننا نحسب أن ما ذكرناه في هذه الإطلالة ، كاف و واف لإعطاء الإنطباع الصحيح عن الحق و الحقيقة ، في أمر يعتبر من البديهيات ، التي لا تحتاج لاكتشافها و التعرف عليها إلى هذا الحشد الكثير ، و لا إلى ذلك جهد كبير . .
و لكن التجارب و الأيام قد علمتنا : أن هؤلاء الناس لا يقتنعون بالمنطق ، و بالعلم الصحيح ، و لا يريدون أن يقنعوا الناس به ، ثم هم يريدون أن يصدوهم عنه ، و لو بأن يتلاعبوا بعواطفهم و مشاعرهم ، و إن يشحنوهم بالكراهية ، و الضغينة على إخوانهم ، و إن تكون الأحقاد ، التي يغذيها الكذب و التزوير ، هي سيدة الموقف ، و هي التي تحكم الحركة و السلوك و العلاقات بين المسلمين . .
إنهم يريدون أن يزينوا آراءهم الباطلة و ضلالاتهم للناس بترهات خادعة ، و بشعارات لامعة ، و إثارات بارعة و مائعة ، حتى إذا فشلت في التضليل ، و في التجهيل ، كان البديل عنها لديهم هو أساليب القمع الفظة ، و اللإنسانية ، و فرض رأيهم و طاعتهم ، و الانقياد الأعمى لهم على الناس لهم ، و لو بالقوة ، و بالقهر ، ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً . .
فإنا لله ، و إنا إليه راجعون ، و الحمد لله رب العالمين . .
و سلام على المرسلين . .
حرر بتاريخ : 5 شهر رمضان المبارك 1424 هجرية
جعفر مرتضى العاملي