في البكاء على الحسين


السيد عبدالحسين شرف الدين قدس سره الشريف

ولنا على ما اخترناه فيه ـ مضافاً إلى السيرة القطعية ـ فعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقوله وتقريره:

أما الاول، فانه متواتر عنه في موارد عديدة:
منها: يوم أحد، إذ علم الناس كافة بكاءه يومئذ على عمه أسد الله وأسد رسوله، حتى قال ابن عبد البر في ترجمة حمزة من استيعابه: لمّا رأى النبي (صلى الله عليه وآله) حمزة قتيلاً بكى فلمّا رأى ما مثّل به شهق.

وذكر الواقدي ـ كما في أوائل الجزء الخامس عشر من شرح نهج البلاغة للعلاّمة المعتزلي ـ: أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) كان يومئذ إذا بكت صفية يبكي وإذا نشجت ينشج.

قال: وجعلت فاطمة تبكي لمّا بكى رسول الله (صلى الله عليه وآله) .
ومنها: يوم نعى زيداً وذا الجناحين وابن رواحة، فيما أخرجه البخاري في الصفحة الثالثة من أبواب الجنائز من صحيحه، وذكر ابن عبد البرّ في ترجمة زيد من استيعابه: أنّ النبي (صلى الله عليه وآله)بكى على جعفر وزيد وقال: «أخواي ومؤنساي ومحدثاي».

ومنها: يوم مات ولده إبراهيم، إذ بكى عليه، فقال له عبد الرحمن بن عوف ـ كما في صفحة 148 من الجزء الاول من صحيح البخاري ـ: وأنت يا رسول الله! قال: «يا ابن عوف، إنها رحمة» ، ثم اتبعها ـ يعني عبرته ـ بأخرى، فقال: «إنّ العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلاّ ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون».

ومنها: يوم ماتت إحدى بناته (صلى الله عليه وآله)، إذ جلس على قبرها ـ كما في صفحة 146 من الجزء الاول من صحيح البخاري ـ وعيناه تدمعان.

ومنها: يوم مات صبي لاحدى بناته، إذ فاضت عيناه يومئذ ـ كما في الصحيحين وغيرهما ـ فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال: «هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء».

ومنها: ما أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين عن ابن عمر قال: اشتكى سعد، فعاده رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع جماعة من أصحابه، فوجده في غشية فبكى، قال: فلمّا رأى القوم بكاءه بكوا، الحديث.

والاخبار في ذلك لا تحصى ولا تستقصى.
وبكائه على عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) لما سيلقاه من بعده مناقب الخوارزمي: 24 و 26، تذكرة الخواص: 45.
وبكائه على الحسين (عليه السلام) لمّا أخبره جبرئيل بما سيجري عليه، كما سيأتي عن قريب.
وبكائه على شهداء فخ لمّا أخبره جبرئيل بالواقعة مقاتل الطالبيين: 436.
وبكائه على جدّه عبد المطلب تذكرة الخواص: 7.
وبكائه على أبي طالب الطبقات 1 / 105، تذكرة الخواص: 8، تاريخ اليعقوبي 2 / 35.
وبكائه على فاطمة بنت أسد ذخائر العقبى: 56، الفصول المهمّة: 13، مناقب ابن المغازلي: 77، تاريخ اليعقوبي 2 / 14.
وبكائه على أمّه عند قبرها المستدرك على الصحيحين 1/375، تاريخ المدينة المنورة 1 / 118، ذخائر العقبى: 258، المصنف لابن أبي شيبة 3 / 224.
وبكائه على عثمان بن مظعون المستدرك على الصحيحين 1/361، سنن البيهقي 3 / 407.
وبكائه على سعد بن ربيع المغازي 1 / 329.

وأما قوله وتقريره، فمستفيضان، ومواردهما كثيرة:
فمنها: ماذكره ابن عبد البر في ترجمة جعفر من استيعابه، قال: لمّا جاء النبي (صلى الله عليه وآله) نعي جعفر، أتى امرأته أسماء بنت عميس فعزاها، قال: ودخلت فاطمة وهي تبكي وتقول: «وا عماه»، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «على مثل جعفر فلتبك البواكي».

ومنها: ماذكره ابن جرير وابن الاثير وصاحب العقد الفريد وجميع أهل السير، وأخرجه الامام أحمد بن حنبل من حديث ابن عمر في صفحة 40 من الجزء الثاني من مسنده، قال: رجع رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أحد، فجعلت نساء الانصار يبكين على من قتل من أزواجهن، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «ولكن حمزة لا بواكي له»، قال: ثم نام فاستنبه وهنّ يبكين حمزة، قال: فهنّ اليوم إذا بكين يبدأن بحمزة.

وفي ترجمة حمزة من الاستيعاب نقلاً عن الواقدي، قال: لم تبك امرأة من الانصار على ميت بعد قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): «لكن حمزة لا بواكي له» إلى اليوم إلاّ بدأت بالبكاء على حمزة.

وحسبك تلك السيرة في رجحان البكاء على من هو كحمزة وإن بعد العهد بموته.
ولا تنس مافي قوله (صلى الله عليه وآله): «لكن حمزة لا بواكي له» من البعث على البكاء والملامة لهن على تركه، وحسبك به وبقوله: «على مثل جعفر فلتبك البواكي»، دليلاً على الاستحباب.

وأخرج الامام أحمد من حديث ابن عباس ـ في صفحة 335 من الجزء الاول ـ من مسنده من جملة حديث ذكر فيه موت رقية بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبكاء النساء عليها، قال: فجعل عمر يضربهن بسوطه، فقال النبي (صلى الله عليه وآله):
«دعهن يبكين»، ثم قال: «مهما يكن من القلب والعين فمن الله والرحمة»، وقعد على شفير القبر وفاطمة الى جنبه تبكي، قال: فجعل النبي (صلى الله عليه وآله) يمسح عين فاطمة بثوبه رحمة لها.

وأخرج أحمد أيضاً من حديث أبي هريرة ـ ص333 ج2 من مسنده ـ حديثاً جاء فيه: أنه مرّ على رسول الله (صلى الله عليه وآله) جنازة معها بواكي، فنهرهن عمر، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): «دعهن، فانّ النفس مصابة والعين دامعة».
إلى غير ذلك مما لا يسعنا استيفاؤه.

وقد بكى يعقوب إذ غيب الله ولده (وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزَنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) ، حتّى قيل: ـ كما في تفسير هذه الاية من الكشاف ـ: ما جفّت عيناه من وقت فراق يوسف إلى حين لقائه ثمانين عاماً، وما على وجه الارض أكرم على الله منه.

وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ـ كما في تفسير هذه الاية من الكشاف أيضاً ـ: أنه سئل جبرئيل (عليه السلام): ما بلغ وجد يعقوب على يوسف؟ قال: وجْد سبعين ثكلى، قال: فما كان له من الاجر؟ قال: أجر مائة شهيد، وما ساء ظنه بالله قط.

قلت: أيّ عاقل يرغب عن مذهبنا في البكاء بعد ثبوته عن الانبياء (وَمَنْ يَرْغَب عَنْ مِلَّةِ إبْرَاهِيمُ إلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ).

وأمّا ما جاء في الصحيحين: من أنّ الميت يعذب لبكاء أهله عليه، وفي رواية: ببعض بكاء أهله عليه، وفي رواية: ببكاء الحي، وفي رواية: يعذب في قبره بما نيح عليه، وفي رواية: من يبك عليه يعذب. فانّه خطأ من الراوي بحكم العقل والنقل.

قال الفاضل النووي: هذه الروايات كلّها من رواية عمر بن الخطاب وابنه عبد الله. قال: وأنكرت عائشة عليهما، ونسبتهما إلى النسيان والاشتباه، واحتجّت بقوله تعالى: (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى).

قلت: وأنكر هذه الروايات أيضاً عبد الله بن عباس، واحتج على خطأ راويها، والتفصيل في الصحيحين وشروحهما.

وما زالت عائشة وعمر في هذه المسألة على طرفي نقيض، حتى أخرج الطبري في حوادث سنة 13 من تاريخه ، بالاسناد إلى سعيد بن المسيب قال: لما توفي أبو بكر أقامت عليه عائشة النوح، فأقبل عمر بن الخطاب حتى قام ببابها فنهاهنّ عن البكاء على أبي بكر ، فأبين أن ينتهين، فقال عمر لهشام بن الوليد: أدخل فأخرج إلي ابنة أبي قحافة ، فقالت عائشة لهشام حين سمعت ذلك من عمر: إنّي أحرج عليك بيتي، فقال عمر لهشام: أدخل فقد أذنت لك، فدخل هشام وأخرج ام فروة أخت أبي بكر إلى عمر، فعلاها بالدرة فضربها ضربات ، فتفرق النوح حين سمعوا ذلك.

قلت: كأنه لم يعلم تقرير النبي نساء الانصار على البكاء على موتاهن ، ولم يبلغه قوله (صلى الله عليه وآله): «لكن حمزة لا بواكي له»، وقوله: «على مثل جعفر فلتبك البواكي» ، وقوله: «وإنما يرحم الله من عباده الرحماء».

ولعله نسي نهي النبي (صلى الله عليه وآله) إياه عن ضرب البواكي يوم ماتت رقية بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ونسي نهيه إياه عن انتهارهنّ في مقام آخر مرّ عليك آنفاً.

ثم إذا كان البكاء على الميت حراماً، فلماذا أباح لنساء بني مخزوم أن يبكين على خالد بن الوليد(23)، حتى ذكر محمد بن سلام ـ كما في ترجمة خالد من الاستيعاب ـ أنه لم تبق امرأة من بني المغيرة إلاّ وضعت لمتها ـ أي حلقت رأسها ـ على قبر خالد.

وهذا حرام بلا ارتياب، والله أعلم.